فصل: تفسير الآية رقم (200):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الجامع لأحكام القرآن والمبين لما تضمنه من السنة وآي الفرقان المشهور بـ «تفسير القرطبي»



.تفسير الآيات (197- 198):

{وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (197) وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى لا يَسْمَعُوا وَتَراهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ (198)}
قوله تعالى: {وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ} كرره ليبين أن ما يعبدونه لا ينفع ولا يضر. {وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى} شرط، والجواب {لا يَسْمَعُوا}. {وَتَراهُمْ} مستأنف. {يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ} في موضع الحال. يعني الأصنام. ومعنى النظر فتح العينين المنظور إليه، وتراهم كالناظرين إليك. وخبر عنهم بالواو وهي جماد لا تبصر، لأن الخبر جرى على فعل من يعقل.
وقيل: كانت لهم أعين من جواهر مصنوعة فلذلك قال: {وَتَراهُمْ يَنْظُرُونَ} وقيل: المراد بذلك المشركون، أخبر عنهم بأنهم لا يبصرون حين لم ينتفعوا بأبصارهم.

.تفسير الآية رقم (199):

{خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ (199)}
فيه ثلاث مسائل:
الأولى: هذه الآية من ثلاث كلمات، تضمنت قواعد الشريعة في المأمورات والمنهيات. فقوله: {خُذِ الْعَفْوَ} دخل فيه صلة القاطعين، والعفو عن المذنبين، والرفق بالمؤمنين، وغير ذلك من أخلاق المطيعين ودخل في قوله: {وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ} صلة الأرحام، وتقوى الله في الحلال والحرام، وغض الأبصار، والاستعداد لدار القرار.
وفي قوله: {وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ} الحض على التعلق بالعلم، والإعراض عن أهل الظلم، والتنزه عن منازعة السفهاء، ومساواة الجهلة الأغبياء، وغير ذلك من الأخلاق الحميدة والأفعال الرشيدة. قلت: هذه الخصال تحتاج إلى بسط، وقد جمعها رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لجابر بن سليم. قال جابر بن سليم أبو جري: ركبت قعودي ثم أتيت إلى مكة فطلبت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فأنخت قعودي بباب المسجد، فدلوني على رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فإذا هو جالس عليه برد من صوف فيه طرائق حمر، فقلت: السلام عليك يا رسول الله. فقال: «وعليك السلام». فقلت: إنا معشر أهل البادية، قوم فينا الجفاء، فعلمني كلمات ينفعني الله بها. قال: «ادن» ثلاثا، فدنوت فقال: «أعد علي» فأعدت عليه فقال: «اتق الله ولا تحقرن من المعروف شيئا وأن تلقى أخاك بوجه منبسط وأن تفرغ من دلوك في إناء المستسقي وإن امرؤ سبك بما لا يعلم منك فلا تسبه بما تعلم فيه فإن الله جاعل لك أجرا وعليه وزرا ولا تسبن شيئا مما خولك الله تعالى». قال أبو جري: فوالذي نفسي بيده، ما سببت بعده شاة ولا بعيرا. أخرجه أبو بكر البزار في مسنده بمعناه.
وروى أبو سعيد المقبري عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال: «إنكم لا تسعون الناس بأموالكم ولكن يسعهم منكم بسط الوجه وحسن الخلق».
وقال ابن الزبير: ما أنزل الله هذه الآية إلا في أخلاق الناس.
وروى البخاري من حديث هشام بن عروة عن أبيه عن عبد الله بن الزبير في قوله: {خذ العفو وأمر بالعرف} قال: ما أنزل الله هذه الآية إلا في أخلاق الناس.
وروى سفيان بن عيينة عن الشعبي أنه قال: إن جبريل نزل على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فقال له النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: «ما هذا يا جبريل؟ فقال: لا أدري حتى أسأل العالم. في رواية: لا أدري حتى أسأل ربي فذهب فمكث ساعة ثم رجع فقال: إن الله تعالى يأمرك أن تعفو عمن ظلمك وتعطي من حرمك وتصل من قطعك». فنظمه بعض الشعراء فقال:
مكارم الأخلاق في ثلاثة ** وممن كملت فيه فذلك الفتى

إعطاء من تحرمه ووصل من ** تقطعه والعفو عمن اعتدى

وقال جعفر الصادق: أمر الله نبيه بمكارم الأخلاق في هذه الآية، وليس في القرآن آية أجمع لمكارم الأخلاق من هذه الآية.
وقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «بعثت لأتمم مكارم الأخلاق».
وقال الشاعر:
كل الأمور تزول عنك وتنقضي ** إلا الثناء فإنه لك باقي

ولو أنني خيرت كل فضيلة ** ما اخترت غير مكارم الأخلاق

وقال سهل بن عبد الله: كلم الله موسى بطور سيناء. قيل له: بأي شيء أوصاك؟ قال: بتسعة أشياء، الخشية في السر والعلانية، وكلمة الحق في الرضا والغضب، والقصد في الفقر والغني، وأمرني أن أصل من قطعني، وأعطي من حرمني، وأعفو عمن ظلمني، وأن يكون نطقي ذكرا، وصمتي فكرا، ونظري عبرة. قلت: وقد روي عن نبينا محمد أنه قال، «أمرني ربي بتسع الإخلاص في السر والعلانية والعدل في الرضا والغضب والقصد في الغنى والفقر وأن أعفو عمن ظلمني واصل من قطعني وأعطي من حرمني وأن يكون نطقي ذكرا وصمتي فكرا نظري عبرة».
وقيل: المراد بقوله: {خُذِ الْعَفْوَ} أي الزكاة، لأنها يسير من كثير. وفية بعد، لأنه من عفا إذا درس. وقد يقال: خذ العفو منه، أي لا تنقص عليه وسامحه. وسبب النزول يرده، والله أعلم. فإنه لما أمره بمحاجة المشركين دله على مكارم الأخلاق، فإنها سبب جر المشركين إلى الإيمان. أي اقبل من الناس ما عفا لك من أخلاقهم وتيسر، تقول: أخذت حقي عفوا صفوا، أي سهلا.
الثانية: قوله تعالى: {وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ} أي بالمعروف. وقرأ عيسى بن عمر {العرف} بضمتين، مثل الحلم، وهما لغتان. والعرف والمعروف والعارفة: كل خصلة حسنة ترتضيها العقول، وتطمئن إليها النفوس. قال الشاعر:
من يفعل الخير لا يعدم جوازيه ** لا يذهب العرف بين الله والناس

وقال عطاء: {وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ} يعني بلا إله إلا الله.
الثالثة: قوله تعالى: {وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ} أي إذا أقمت عليهم الحجة وأمرتهم بالمعروف فجهلوا عليك فأعرض عنهم، صيانة له عليهم ورفعا لقدره عن مجاوبتهم. وهذا وإن كان خطابا لنبيه عليه السلام فهو تأديب لجميع خلقه.
وقال ابن زيد وعطاء: هي منسوخة بآية السيف.
وقال مجاهد وقتادة: هي محكمة، وهو الصحيح لما رواه البخاري عن عبد الله بن عباس قال: قدم عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر فنزل على ابن أخيه الحر بن قيس بن حصن، وكان من النفر الذين يدنيهم عمر، وكان القراء أصحاب مجالس عمر ومشاورته، كهولا كانوا أو شبانا. فقال عيينة لابن أخيه: يا بن أخي، هل لك وجه عند هذا الأمير، فتستأذن لي عليه. قال سأستأذن لك عليه، فاستأذن لعيينة. فلما دخل قال: يا بن الخطاب، والله ما تعطينا الجزل، ولا تحكم بيننا بالعدل! قال: فغضب عمر حتى هم بأن يقع به. فقال الحر، يا أمير المؤمنين، إن الله قال لنبيه عليه السلام {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ} وإن هذا من الجاهلين. فوالله ما جاوزها عمر حين تلاها عليه، وكان وقافا عند كتاب الله عز وجل. قلت: فاستعمال عمر رضي الله عنه لهذه الآية واستدلال الحر بها يدل على أنها محكمة لا منسوخة. وكذلك استعملها الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما، على ما يأتي بيانه. وإذا كان الجفاء على السلطان تعمدا واستخفافا بحقه فله تعزيره. وإذا كان غير ذلك فالإعراض والصفح والعفو، كما فعل الخليفة العدل.

.تفسير الآية رقم (200):

{وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (200)}
فيه مسألتان: الأولى: لما نزل قوله تعالى: {خُذِ الْعَفْوَ} قال عليه السلام: «كيف يا رب والغضب» فنزلت: {وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ 200} ونزغ الشيطان: وساوسه. وفية لغتان: نزغ ونغز، يقال: إياك والنزاغ والنغاز، وهم المورشون. الزجاج: النزغ أدنى حركة تكون، ومن الشيطان أدنى وسوسة. قال سعيد بن المسيب: شهدت عثمان وعليا وكان بينهما نزغ من الشيطان فما أبقى واحد منهما لصاحبه شيئا، ثم لم يبرحا حتى استغفر كل واحد منهما لصاحبه. ومعنى {يَنْزَغَنَّكَ} 200: يصيبنك ويعرض لك عند الغضب وسوسة بما لا يحل. {فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ} 200 أي اطلب النجاة من ذلك بالله. فأمر تعالى أن يدفع الوسوسة بالالتجاء إليه والاستعاذة به، ولله المثل الأعلى. فلا يستعاذ من الكلاب إلا برب الكلاب. وقد حكي عن بعض السلف أنه قال لتلميذه: ما تصنع بالشيطان إذا سول لك الخطايا؟ قال: أجاهده. قال: فإن عاد؟ قال: أجاهده. قال: فإن عاد؟ قال: أجاهده. قال: هذا يطول، أرأيت لو مررت بغنم فنبحك كلبها ومنع من العبور ما تصنع؟ قال: أكابده وأرده جهدي. قال: هذا يطول عليك، ولكن استغث بصاحب الغنم يكفه عنك.
الثانية: النغز والنزغ والهمز والوسوسة سواء، قال الله تعالى: {وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزاتِ الشَّياطِينِ} وقال: {مِنْ شَرِّ الْوَسْواسِ الْخَنَّاسِ}. واصل النزغ الفساد، يقال: نزغ بيننا، أي أفسد. ومنه قوله: {نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي} أي أفسد.
وقيل: النزغ الإغواء والإغراء، والمعنى متقارب. قلت: ونظير هذه الآية ما في صحيح مسلم عن أبي هريرة قال قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يأتي الشيطان أحدكم فيقول له من خلق كذا وكذا حتى يقول له من خلق ربك فإذا بلغ ذلك فليستعذ بالله ولينته». وفيه عن عبد الله قال: سئل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن الوسوسة قال: «تلك محض الإيمان».
وفي حديث أبي هريرة: «ذلك صريح الإيمان» والصريح الخالص. وهذا ليس على ظاهره، إذ لا يصح أن تكون الوسوسة نفسها هي الإيمان، لأن الإيمان اليقين، وإنما الإشارة إلى ما وجدوه من الخوف من الله تعالى أن يعاقبوا على ما وقع في أنفسهم. فكأنه قال جزعكم من هذا هو محض الإيمان وخالصه، لصحة إيمانكم، وعلمكم بفسادها. فسمى الوسوسة إيمانا لما كان دفعها والإعراض عنها والرد لها وعدم قبولها والجزع منها صادرا عن الإيمان. وأما أمره بالاستعاذة فلكون تلك الوساوس من آثار الشيطان. وأما الأمر بالانتهاء فعن الركون إليها والالتفات نحوها. فمن كان صحيح الإيمان واستعمل ما أمره به ربه ونبيه نفعه وانتفع به. وأما من خالجته الشبهة وغلب عليه الحس ولم يقدر على الانفكاك عنها فلا بد من مشافهته بالدليل العقلي، كما قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ للذي خالطته شبهة الإبل الجرب حين قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: «لا عدوى».
وقال أعرابي: فما بال الإبل تكون في الرمل كأنها الظباء فإذا دخل فيها البعير الأجرب أجربها؟ فقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: «فمن أعدى الأول» فاستأصل الشبهة من أصلها. فلما يئس الشيطان من أصحاب محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالإغراء والإضلال أخذ يشوش عليهم أوقاتهم بتلك الألقيات. والوساوس: الترهات، فنفرت عنها قلوبهم وعظم عليهم وقوعها عندهم فجاءوا- كما في الصحيح- فقالوا: يا رسول الله، إنا نجد في أنفسنا ما يتعاظم أحدنا أن يتكلم به. قال: «أوقد وجدتموه»؟ قالوا: نعم. قال: «ذلك صريح الإيمان». رغما للشيطان حسب ما نطق به القرآن في قوله: {إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ}. فالخواطر التي ليست بمستقره ولا اجتلبتها الشبهة فهي التي تدفع بالإعراض عنها، وعلى مثلها يطلق اسم الوسوسة. والله أعلم. وقد مضى في آخر البقرة هذا المعنى، والحمد لله.

.تفسير الآيات (201- 202):

{إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ (201) وَإِخْوانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ (202)}
فيه مسألتان: الأولى: قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا} 20 يريد الشرك والمعاصي. {إذا مسهم طيف من الشيطان} هذه قراءة أهل البصرة واهل مكة. وقراءة أهل المدينة واهل الكوفة {طائف}. وروي عن سعيد بن جبير {طيف} بتشديد الياء. قال النحاس: كلام العرب في مثل هذا {طيف} بالتخفيف، على أنه مصدر من طاف يطيف. قال الكسائي:
هو مخفف من {طيف} مثل ميت وميت. قال النحاس: ومعنى {طيف} في اللغة ما يتخيل في القلب أو يرى في النوم، وكذا معنى طائف.
وقال أبو حاتم: سألت الأصمعي عن طيف، فقال: ليس في المصادر فيعل. قال النحاس: ليس هو بمصدر، ولكن يكون بمعنى طائف. والمعنى إن الذين اتقوا المعاصي إذا لحقهم شيء تفكروا في قدرة الله عز وجل وفي إنعامه عليهم فتركوا المعصية، وقيل: الطيف والطائف معنيان مختلفان فالأول- التخيل. والثاني- الشيطان نفسه. فالأول مصدر طاف الخيال يطوف طيفا، ولم يقولوا من هذا طائف في اسم الفاعل. قال السهيلي: لأنه تخيل لا حقيقة له. فأما قوله: {فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ مِنْ رَبِّكَ} فلا يقال فيه: طيف، لأنه اسم فاعل حقيقة، ويقال: إنه جبريل. قال الزجاج: طفت عليهم أطوف، وطاف الخيال يطيف.
وقال حسان:
فدع هذا ولكن من لطيف ** يؤرقني إذا ذهب العشاء

مجاهد: الطيف الغضب. ويسمى الجنون والغضب والوسوسة طيفا، لأنه لمة من الشيطان تشبه بلمة الخيال. {فإذا هم مبصرون} أي منتهون.
وقيل: فإذا هم على بصيرة. وقرأ سعيد بن جبير: {تَذَكَّرُوا 20} بتشديد الذال. ولا وجه له في العربية، ذكره النحاس.
الثانية: قال عصام بن المصطلق: دخلت المدينة فرأيت الحسن بن علي عليهما السلام، فأعجبني سمته وحسن روائه، فأثار مني الحسد ما كان يجنه صدري لأبيه من البغض، فقلت: أنت ابن أبي طالب! قال نعم. فبالغت في شتمه وشتم أبيه، فنظر إلي نظرة عاطف رءوف، ثم قال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ} فقرأ إلى قوله: {فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ 20} ثم قال لي: خفض عليك، استغفر الله لي ولك إنك لو استعنتنا أعناك، ولو استرفدتنا أرفدناك، ولو استرشدتنا أرشدناك. فتوسم في الندم على ما فرط مني فقال: {لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} أمن أهل الشام أنت؟ قلت نعم. فقال:
شنشنة أعرفها من أخزم حياك الله وبياك، وعافاك، وآداك، انبسط إلينا في حوائجك وما يعرض لك، تجدنا عند أفضل ظنك، إن شاء الله. قال عصام: فضاقت علي الأرض بما رحبت، ووددت أنها ساخت بي، ثم تسللت منه لواذا، وما على وجه الأرض أحب إلي منه ومن أبيه. قوله تعالى: {وَإِخْوانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ} 20 قيل: المعنى وإخوان الشياطين وهم الفجار من ضلال الإنس تمدهم الشياطين في الغي. وقيل للفجار إخوان الشياطين لأنهم يقبلون منهم. وقد سبق فهذه الآية ذكر الشيطان. هذا أحسن ما قيل فيه، وهو قول قتادة والحسن والضحاك ومعنى {لا يُقْصِرُونَ 20} أي لا يتوبون ولا يرجعون.
وقال الزجاج: في الكلام تقديم وتأخير، والمعنى: والذين تدعون من دونه لا يستطيعون لكم نصرا ولا أنفسهم ينصرون، وإخوانهم يمدونهم في الغي، لأن الكفار إخوان الشياطين. ومعنى الآية: إن المؤمن إذا مسه طيف من الشيطان تنبه عن قرب، فأما المشركون فيمدهم الشيطان. و{لا يُقْصِرُونَ 20} قيل: يرجع إلى الكفار على القولين جميعا.
وقيل: يجوز أن يرجع إلى الشيطان. قال قتادة: المعنى ثم لا يقصرون عنهم ولا يرحمونهم. والإقصار: الانتهاء عن الشيء، أي لا تقصر الشياطين في مدهم الكفار بالغي. وقوله: {فِي الغَيِّ 20} يجوز أن يكون متصلا بقوله:
{يَمُدُّونَهُمْ 20} ويجوز أن يكون متصلا بالإخوان. والغي: الجهل. وقرأ نافع {يمدونهم} بضم الياء وكسر الميم. والباقون بفتح الياء وضم الميم. وهما لغتان مد وأمد. ومد أكثر، بغير الألف، قاله مكي. النحاس: وجماعة من أهل العربية ينكرون قراءة أهل المدينة، منهم أبو حاتم وأبو عبيد، قال أبو حاتم: لا أعرف لها وجها، إلا أن يكون المعنى يزيدونهم في الغي. وحكى جماعة من أهل اللغة منهم أبو عبيد أنه يقال إذا كثر شيء شيئا بنفسه مده، وإذا كثره بغيره قيل أمده، نحو {يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ}. وحكي عن محمد بن يزيد أنه احتج لقراءة أهل المدينة قال: يقال مددت له في كذا أي زينته له واستدعيته أن يفعله. وأمددته فكذا أي أعنته برأي أو غير ذلك. قال مكي: والاختيار الفتح، لأنه يقال: مددت في الشر، وأمددت في الخير، قال الله تعالى: {وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ}. فهذا يدل على قوة الفتح في هذا الحرف، لأنه في الشر، والغي هو الشر، ولأن الجماعة عليه. وقرأ عاصم الجحدري {يمادونهم في الغي}. وقرأ عيسى بن عمر {يقصرون} بفتح الياء وضم الصاد وتخفيف القاف. الباقون {يقصرون} بضده، وهما لغتان. قال امرؤ القيس:
سما لك شوق بعد ما كان أقصرا